بقلم
أوشــــانا نيســــان
oschana@hotmail.com
الكل بات يقّر اليوم أكثر من أي يوم مضى، أن
مستقبل شعب أقلوي "مسيحي" بحجم شعبنا المتذبذب ضمن أكثريات غير مسيحية
لم يسبق لها بعد أن تجرب
الديمقراطية
نهجا للنظام السياسي – الوطني، لا يبسم له
محيا السعادة ولايرجى له النجاح الحقيقي الا بالوحدة والتعالي فوق
الجراحات المذهبية أو العرقية التي اخذت تطل براسها هذه الايام بعنف.
لذلك بأمكان نيران الاحقاد التي تقدحها أطراف غير مسؤولة مهما صغر
حجمها، أن تلتهم وفي غفلة هوية أقدم حضارة رافدينية عرفتها البشرية على
ضفاف دجلة والفرات.
أدون هذه الشهادة وانا تعودت أن أستمع مذهولا الى المنطق العقلاني الذي
ينطق به "المواطن العادي" من أبناء شعبنا، في سبيل تعميق روح الاخوة
وتعزيز التلاحم التاريخي الذي كان ولايزال يجمعنا بغض النظر عن التسمية
التي حولها "السياسي" هذه الايام الى فوبيا، بالاتكاء على هواجس مركونة
بالتفرقة والتقسيم تغذيها أغراءات "الغير"
وأحلام حفنة من المثقفين
العائدين الى الصف الوطني.
الامر الذي يؤكد قطعا، أن خطاب التفرقة الذي يحمله هذا السياسي أو ذاك
المثقف لم يستقر بعد والحمدلله في عقلية الاكثرية من ابناء شعبنا، بسبب
انتماءه ولهفة المثقفين المرتدين توا عن أحزاب الاكثريات، وسجالاتهم
العقيمة
بحيث تتفق وحديث الامام مالك بن أنس " والله
ما اقتتلوا الا على الثريد الاعفر".
علما أننا كأبناء لهذا الشعب الكلداني السرياني الاشوري المضطهد وهو في
وطن أباءه واجداده، يجب أن نتهيأ ونستعد بعقلانية، لمرحلة ما بعد
الدكتاتورية ولا نضيّع
من جديد ما يحمله "الربيع العربي" من
طموحات وهوامش ديمقراطية تسمح الاعتراف بحقوق الاقليات، وعلى رأسها ما
يتعلق بمشروع أقامة محافظة للمسيحين في سهل المدينة التي عرفت ب"أم
الربيعين" قبل قرون.
فالانسان
أي أنسان لايستطيع أن يكون حرا أو ديمقراطيا الا اذا كان موجودا داخل
ذاته ولذاته، كما يذكر المفكر العربي الكبير أدونيس. ومن المنطلق هذا
سنحاول تسليط الضوء على المعالم التاريخية التي تشهد على وحدة الجذور
التاريخية لأبناء شعبنا واخرها نبأ أكتشاف أكبر مقبرة تاريخية مسيحية،
وفيها موقعين اثريين يضمان ديرا ومناطق عبادة تعود الى زمن دولة
المناذرة التي حكمت في منطقة الحيرة التاريخية جنوب مدينة النجف
بين عامي 268 و607 م / دائرة الاثار في النجف
4 سبتمبر 2011. رغم أن منطق تاريخ نفسه يفرض على المؤرخ العادل أو
الكاتب العضوي أن يضع الاحداث في سياقها التاريخي بغض النظر عن
تأثيراتها السلبية على طروحاته الفردية!!
المطلع على الصفحات التاريخية المطوية لكنائسنا من دون تمييز ولاسيما
كنيسة المشرق الاشورية، يجب أن يكون مطلعا على التحديات التي واكبت
مسيرتها التاريخية وعلى مدار ألفي عام، بأعتبارها أقدم كنيسة وجدت على
سطح المعمورة، طبقا لمصادر تاريخية وفي مقدمتها ما دونه المطران أدي
شير في مؤلفه كلدو واثور الصفحة 171، " لقد بلغني أن اليهود يضايقونك
ويضمرون لك الشر( ويقصد سيدنا المسيح)، فبلدي بلد صغير ولكنه جميل
يسعنا. فأجابه المسيح مباركا اياه ووعده انه بعد قيامه سيرسل اليه احد
تلامذته. والتقليد الشائع ان مار ماري احد تلامذة السبعين اتى بعد وفاة
المسيح الى الرها وشفا الملك من مرضه وعمده وبذلك كان الملك أبجر ( 4
ق. م – 50 ب.م) اول المتنصرين من ملوك الرها والعالم كله.
علما أن مدينة الرها والتي سماها سلوقس الاول أيديسا /
EDESSA، واليونان باسم
"كاليرهو" هي أول مدينة كوسموبوليتية تنصرت واعتنقت المسيحية كدين رسمي
ص 269
من كتاب / ثقافة السريان في القرون الوسطى/ نينا
بيغوليفسكايا، وفيها أمر مار ماري بعد اطلاق حملة التبشير في مدن الشرق
وقبل وفاته بفترة " أن لايكون بطريرك المشرق الا في هذه المدينة وحتى
اخر الزمان"، ص 85 /
كتاب ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق /
د. احمد سوسة.
الامر الذي أكده الحبر الاعظم المرحوم
مار يوحنا الثاني عام 1994 وأمام عشرات الالاف من المؤمنين في روما على
الدور التاريخي العريق
لكنيسة المشرق الاشورية بقوله: أن
الكلمة التي القاها الان قداسة البطريرك ماردنخا الرابع، هي كلمة أقدم
كنيسة وجدت على سطح المعمورة وباللغة التي نطق بها سيدنا المسيح وهو
مصلوبا على الصليب.
علما أن الملك الروماني قسطنطين الاول ( 312 –
337 م)، هو أول أمبراطور روماني يعتنق الديانة
المسيحية بتوجيهات أمه هيلانة كونها مسيحية وابنة قسيس من الرها ص 87
من كتاب ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق / د. احمد سوسة . هذا
التحول الذي أجبر الملك لاحقا على أصدار مرسوم يقضي بمنح المسيحين حرية
العبادة على دينهم في جميع اقطار الامبراطورية الرومانية. علما أن
الامبراطورية نفسها لم تعترف بالمسيحية كديانة رسمية الا في ايام
غراطبان سنة 368 م/ ص 89 المصدر نفسه.
أّذ طبقا لهذه الحقائق التاريخية المذكورة اعلاه، فأن اثار الكنيسة
أوالمقابر الجماعية المكتشفة في جنوب النجف بداية شهر أيلول 2011، هي
جزءا من
أثار الكنيسة الاولى التي وجدت في نفس المنطقة
بغض النظر عن كونها أثارا لآسقفية أهل حيرة التابعة أصلا لكرسي جاثليق
المداين مركز البطريركية ص 97 المصدر اعلاه، أو أثارا لكنيسة المشرق أو
حتى توابع لدير عاقولا التاريخي، كما تدل جميع المصادر التاريخية
لكنائسنا، ذلك قبل ظهور المذهب الكاثوليكي في شمال العراق بأكثر من ألف
وخمسمائة عام.
وفي الختام يجب القول، أن الغرض من السرد هذا يكمن والملابسات
التي تشوب طروحات الاكثرية من المثقفين "المتزمتين" وحرصهم على تزوير
دور وتاريخ كنيستنا / كنيسة الام لاعتبارات تنتمي وجوهر النهج
الالغائوي المتنامي داخل الوطن وخارجه بعد سقوط النظام الشمولي في
بغداد نيسان 2003.
في الوقت الذي يفترض بالسيف السياسي - المذهبي المسلط على رقاب جميع
أبناء شعبنا ولاسيما في الوسط والجنوب بغض النظر عن كونهم من أتباع
الكنيسة الكلدانية أو السريانية أو حتى الاشورية ، أن يوحدنا ويدفع
بسجالاتنا العقيمة جانبا ولو مرة، رحمة بمستقبل شعبنا ومستقبل أجيالنا
القادمة في العراق وفي جميع بلدان الشرق الاوسط.